يوسف زيدان

36

رسالة الأعضاء

الدّخوار منه . فالأرجح أن تكون الكلمة فارسية ، غلبت كلقب على واحد من أجداده المتقدمين ، فورثها عنه . بدأ مهذّب الدين الدّخوار حياته العلمية ، بدراسة الكحالة ( طب العيون ) على يد والده علي بن حامد ، الكحال المشهور ، ومارس مهذّب الدين هذا اللون من الطب في شبابه المبكر . لكنه استضيق هذا المجال ، فمضى إلى ميادين أرحب ، فبدأ يجمع بين الكحالة وعلم اللغة ، وتلقي العلوم العربية على يد أبي اليمن تاج الدين الكندي . . ثم بدأ يشتغل بنسخ الكتب وملازمة الاطلاع ، حتى بلغ ما كتبه بخطه - وفقا لشهادة ابن أبي أصيبعة - أكثر من مائة مجلد في سائر العلوم « 1 » . وتلقى الدخوار المعرفة الطبية العامة ، على يد ثلاثة من مشاهير الأطباء ، فدرس أولا على يد رضي الدين الرّحبي ( 534 - 631 هجرية ) حيث قرأ عليه كتاب « الملكي في الصناعة الطبية » لعلي بن العباس المجوسي « 2 » ، وتعلم منه طرق العلاج وخفايا المعالجات « 3 » . ثم لازم الدّخوار : موفق الدين بن المطران ، وفخر الدين المارديني ، وكانا من أشهر الأطباء في ذلك الوقت ، فتعلم منهما المزيد من أمر العلاج ، وقرأ على المرديني كتاب القانون لابن سينا . . وبدأ الدّخوار يتخلى عن عمله كطبيب للعيون في البيمارستان الكبير بدمشق ، وحصل على راتب شهري ( جامكية ) ليمارس الطب العام ، ووجد عنده الفرصة للإحاطة ببعض العلوم الأخرى في أوقات الفراغ . بدأ الدخوار في دراسة الهيئة ( علم الفلك ) على يد أبي الفضل الإسرائيلى المنجم ، واقتنى في داره من الآلات النحاسية ورسائل علم الفلك شيئا كثيرا ؛ لا يوجد عند غيره من المعاصرين له . . وكان الدّخوار شغوفا بالرياضة والمنطق ، وكانت له جلسات نقاش موسعة مع أشهر أعلام المنطق في عصره : سيف الدين الآمدي ، المتوفى 631 هجرية . . ويبدو أن شغف الدّخوار بالمنطق والفلسفة كان كبيرا ، فها هو يستخدم مصطلحات ( الجوهر - الأعراض ) استخداما متواليا في رقعة شعرية ؛ أرسل بها إلى صديقه المريض رشيد الدين بن علي ، يقول الدّخوار ( من الكامل ) :

--> ( 1 ) ابن أبي أصيبعة : عيون الأنباء في طبقات الأطباء ( مكتبة الحياة - بيروت ) ، ص 728 . ( 2 ) المرجع السابق ، وقد ورد اسم الكتاب ( المكي ) بدلا من الملكي ؛ والأخير هو الصواب . ( 3 ) الذهبي : سير أعلام النبلاء ( مؤسسة الرسالة ) مجلد 22 ، ص 317 .